محمد فاروق النبهان

228

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

متسائلا : وهل يذعن الأعراب وأصحاب الجاهلية للتقريع بالعجز والتوقيف على النقص ثم لا يبذلون مجهودهم ولا يخرجون مكنونهم ، وهم أشد خلق اللّه أنفة ، وأفرطهم حمية . ولم يتكلم الجاحظ عن وجوه الإعجاز ، ولم يؤلف في أوجه الإعجاز كما فعل غيره كالباقلاني والجرجاني والرازي والخطابي والرماني ، واكتفى ببيان المعجزة القرآنية ، محللا ظاهرة عجز العرب عن مواجهة التحدي ، متسائلا عن أسباب تخوفهم من هذه المواجهة ، وهم أصحاب فصاحة وبلاغة ، وأهل خطابة وشعر وبيان وكانت لغتهم في أعلى درجات القوة ، فكانوا يملكون من أسباب المواجهة ما لا تملكه الأجيال اللاحقة ، وهذا التوقف والتخوف دليل على عجز القوم من كثرة كلامهم وسهولة ذلك عليهم . ثم قال بعد ذلك : فمحال أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر والخطأ المكشوف البين ، مع التقريع بالنقص ، والتوقيف على العجز ، وهم أشد الخلق أنفة ، وأكثرهم مفاخرة ، والكلام سيد عملهم ، وقد احتاجوا إليه ، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض فكيف بالظاهر « 1 » . وهذا الكلام المنسوب إلى الجاحظ لا يمكن أن يستفاد منه أن الجاحظ قد أخذ بمبدإ الإعجاز بالصرفة الذي نسب إلى « النظام » فما نسب إلى الجاحظ يؤكد عجز العرب عن التحدي ، لسمو الأسلوب القرآني وعظمة هذا الأسلوب ورقيه وتميزه عن الأساليب العربية فالعرب ما استسلموا وهم قادرون على التحدي ، وإنما استسلموا لأنهم وجدوا القرآن معجزة حقيقية لا سبيل إلى إنكارها ، فالقرآن معجز بكل ما فيه من أسلوب ومعاني وأحكام وتشريع ، وقدرة على التأثير وجمال في النسق القرآني وحكمة في الخطاب وروعة في البيان . . فمن رأى المعجزة في القرآن نظر إلى القرآن نظرة شمولية متكاملة ، فأسلوبه

--> ( 1 ) انظر الإتقان ، ج 4 ، ص 6 .